الشيخ محمد الصادقي
364
الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنه
بصيرة « وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يا فِرْعَوْنُ مَثْبُوراً » هالكا في بعدين من الأبصار ، حيوانا في بصرك ، وإنسانا في بصيرتك ! . يقول : « لأظنك » حال انه متيقن معلوم ، رعاية لأدب المناظرة ألا يتجاوز الكلمة الفرعونية : « إِنِّي لَأَظُنُّكَ يا مُوسى » ظنا بظن ، ولا يملك ظن فرعون حجة ، ولموسى الحجة البالغة في يقينه ولكنه يعبر عنه بالظن معارضة بالمثل ! . والمثبور هو الهالك المدمر بجهله وجهالته تقصيرا ، حيث غربت بصيرته وعزب عنه عقله ، بما أهلكه طغيانه ، وأنساه إنسانه . وترى لماذا « هؤلاء » وهي لمن يعقل ؟ علّه لأنها بصائر للعقول ، صادرة عن خالق العقول لمن يعقل . ثم وسناد هؤلاء إلى رب السماوات والأرض تنبيه انها ليست لتصدر عن غيره ، فأنت أنت يا فرعون تدعى « أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى » ولا تقدر على أصغر آية منها أو تدفع عنها ، فكيف تعطف بها إلى سحر أم جنون ، في حين ان العقلاء بأجمعهم لا يستطيعونها ولا أصغر آية منها ، وحتى الأرضية فيها فضلا عن السماء ! فَأَرادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الْأَرْضِ فَأَغْرَقْناهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعاً ( 103 ) . إرادة استفزازية فرعونية ، فرارا عن الحجج الموسوية بالبصائر الإلهية ، ولجوء إلى طغوى مادية هي سنة للطغات ، حيث يواجهون الحجة العقلية بالقوة المادية اللّاعقلية . . . فلانه ما استطاع استفزازا لحجته وصدا عاقلا
--> « فَأَرادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الْأَرْضِ » أراد ان يخرجهم من الأرض وقد علم فرعون وقومه ما انزل تلك الآيات الا اللّه عز وجل ، وتؤيده الآية : وجحدوا بها واستيقنها أنفسهم . . . بعد الآية : فلما جاءتهم آياتنا مبصرة قالوا هذا سحر مبين .